|
سحر الطبيعة في مساكن “الحبوس”
كانت الرحلة عند العصر مع ابناء وادي قداعة والجبل الاحقب من قبيلة الحبوس نحو ديارهم القديمة ومساكنهم الجبلية محفوفة بالمغامرة والدهشة، فمنذ انطلاقنا من مقر جمعية الحبوس في سيح البريرات بدأ مرشدنا مالك بن علي بن حسن الحبسي بالاشارة الى منطقة البريرات التي انتشرت فيها الآبار العميقة التي تمثل مصدر المياه في مواسم شح الامطار، وقد سكن اهلنا الجبال منذ مئات السنين، ومازالت بيوتنا موجودة في السدمة “وفي الحبسي” ووادي الغيل، بل ان بعضها يمكن السكن فيه، خاصة مع توافر الكهرباء والماء وخدمات الهاتف، لكننا اليوم نسكن في سيح البريرات فقد اقيمت مجمعات سكنية وشعبيات لأبناء القبيلة بأمر صاحب السمو رئيس الدولة.
كانت وجهتنا نحو وادي قداعة المنحدر من الجبل الاحقب، وقد أخذنا مالك بسيارة الدفع الرباعي نحو المناطق الوعرة حيث لا يمكن للسيارة العادية ان تعبر الطرق الصخرية، وفي منطقة السدمة شاهدنا البيوت الجبلية المبنية من الصخور في أحضان الجبال، ثم مررنا بسد وادي قداعة الذي تتجمع فيه مياه الامطار وهو بناء حديث شيد بأمر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وقد كان سدا ترابيا ثم بني من الاسمنت.
تجاوزنا منطقة “السلة” لنصل الى “قور الشعر” صعودا الى بيت جبلي حديث بناه احد ابناء القبيلة وهو محمد راشد محمد النفاخ الذي اغرته حياة الأعالي فبنى منزلا فخما على قمة الجبل استغرقت مدة بنائه اكثر من اربع سنوات، حرص فيها على توفير جميع متطلبات السكن ووسائل الراحة، وقد بني من حجارة الجبال، وهو ليس سكنا دائما لصاحبه مع انه يقضي معظم وقته فيه، لكنه كما يقول يمثل سكنا ومضافة لكل من يرغب في صعود الجبل من ابناء العم والأقارب وضيوفهم.
كانت السهول والوديان الموجودة في تلك المنطقة الساحرة بيئة مناسبة للحيوانات الجبلية كالغزلان والوعول وكذلك للنمور والذئاب، ومازال الحبوس يتركون مواشيهم ترعى هناك خاصة في مواسم المطر التي تمنح الأرض اخضرارا وتزيدها سحرا.
وعند العودة من وادي الغيل تاركين الجبل الاحقب خلف ظهورنا تغتني الرحلة بسحر الطبيعة التي تعبر عن نفسها بالمرتفعات والصخور والاشجار وذلك التلون العجيب عند مغيب الشمس خلف الجبل، فكانت المناطق المدهشة تنفتح أمام اعيننا بدءا من “يوار النعي” في وادي الغيل ومرورا “بيدة شراخ” و”يدة مق سكيك” وقد سجلت المشاهدات اشكال الحياة الجبلية فكانت “الوعاب” الزراعية وبيت الحنطة أو “الينز” وهو مخزن الحبوب الصخري وبرك الماء التي بنيت منذ سنين طويلة، جميعها شواهد على حياة أناس تغلبوا على المصاعب وحفروا تاريخهم في الصخور حين اختاروا الجبال مسكنا.
وما ان وصلنا الى مقر جمعية الحبوس حتى استقبلنا بطقوس الضيافة العربية فقد خرج ابناء القبيلة مرحبين وكان “محمد بن سليمان بن حسن الحبسي” يرتدي الزي العربي فوقه حزام يحمل خنجرا عربيا قديما وقد حيانا بترحيب كبير وابتسامة واسعة، لنجد المضافة مفتوحة وقد فرشت في وسطها سفرة طويلة غنية بأنواع الفواكه والتمور المحلية وقد سبقتها القهوة العربية، وافترشنا الأرض لنأكل من طيباتها ثمارا حرص زارعوها على ابعادها عن المواد الكيماوية، فاحتفظت بنكهتها، وبدأ الكبار الحديث تحرضهم اسئلتنا عن تجربة الماضي وحياة الجبال، فيقول الوالد سعيد محمد الدبدوب “تتفرق قبيلة الحبوس على مناطق متعددة مع القبائل العربية الاخرى في وادي قداعة ووادي الييح ووادي نقب، وكنا نسكن الجبال سابقا حيث يعمل الناس في الرعي ونقل المسافرين من مكان الى آخر على ظهور الدواب وكان آخرون ينقلون الحصى من الجبل الى أهل النخل ليحوطوا به نخلهم اضافة الى بيع العسل الجبلي، وفي الشتاء نزرع الحب فقد كنا نعتمد على الأمطار في الزراعة الى ان جاء الاتحاد ونزل الناس من الجبال وانشئت المدارس والبيوت والشعبيات والمساجد، وكنا نصلي على القياس ونمشي على هدي النجوم ونتوكل على الله في طرقنا القديمة ولا نتيه فيها”.
وفي الجلسة لفت انظارنا الوالد راشد بن احمد بن محمد بن يهمور وهو يتفاعل مع تطورات الحياة والتقنية باستخدام هاتفه المتحرك فبادرناه بالسؤال عن ايهما افضل حياة الماضي أم الحاضر؟ فقال: “لكل زمان خيره وشره لكن الزمان الاول كانت فيه الحيوية والصحة، فقد كان الناس يعتمدون على انفسهم ولم تكن هناك اجهزة تجعلهم كسولين، وكذلك لم تكن توجد اغذية معلبة أو مثلجة وفي السابق كان الطفل يرضع من صدر أمه لسنتين واليوم صار يشرب الحليب المعقم فلا يوجد ترابط بينه وبين أهله”.
وفي محاولة للتعرف إلى افراح الحبوس تحدثنا عن العرس قديما وكيف كان يقام الاحتفال به، فقال الوالد راشد: كانت الاعراس تقام في الجبل وتحمل جميع العادات والتقاليد القديمة وكانت الاحتفالات تستمر ثلاثة ايام، الاول مع أهل العريس والثاني مع أهل العروس واليوم الثالث للجميع وكان الرجال ينتشرون على الجبل حاملين اسلحتهم يستقبلون المهنئين بالاشعار فيقولون:
حي بربع اللفانا
بالكريم والحشيمة
وكذلك يقول المهنئون:
وسلاحنا وارد جديد
بإيدين شبان وحيا
وكان العريس يرتدي الكندورة التي تصبغ باللون الأحمر أو الأصفر، ويعطر بدهن الياسمين وخلطات العطور العربية ويلبس الحزام المزين بالبارود حاملا بندقيته ومتمنطقا بخنجره.
اما المرأة فكانت ترتدي “البريسم” المشجر بالاحمر والاصفر أو الكندورة “أبوكليم” المقلمة بألوان متعددة والسلطانيات وكان التجار يجلبون الاقمشة من الهند، وكانت المهور تتراوح بين 200 و300 روبية، لكننا اليوم نلتزم بقرار رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ زايد بتحديد المهور.
أما الاسلحة فقد كانت جزءا لا ينفصل عن حياة ابن الجبل فيقول سعيد علي الهبهوب ان الاسلحة كانت تستخدم في الاحتفالات وكذلك لتبادل الاشارات وللتنبيه في حالات المرض الشديد والحاجة الى المساعدة فلم تكن هناك وسائل اتصال.
وتعددت انواع البنادق القديمة ومنها “أم فتيلة” و”ميزر سلطانية” و”ميزر أم تين طويلة”، وغيرها من البنادق التي تعد من وسائل زينة الرجل في المناسبات وعند استقبال الضيوف.
وتميزت حياة ابن الجبل بالجد فهو يتعلم تحمل المسؤولية منذ نعومة اظفاره فيقول محمد بن سليمان بن رشود: “كانت حياتنا الجبلية حافلة بالعمل وقد ولدت في جبل الظهر، وبقينا فيه حتى بداية الاتحاد ولم يكن هناك وقت للعب فالطفل يبدأ العمل من عمر العاشرة، وكذلك المرأة الجبلية كانت تمارس جميع مسؤولياتها في البيت وكذلك طحن الحنطة وتجهيز الخبز وكانت طبيعة الحياة تفرض العمل على الجميع”.
أما اليوم فقد تغيرت الحياة واصبحت اكثر سهولة ورفاهية لكن الحنين الى الجبل بقي موجودا لدى الناس فيقول سلطان محمد زيد: “نزل اهلي من الجبل وسكنوا في السيح لكنهم مازالوا يحنون الى حياتهم الماضية ويروون الحكايات عن الجبل، وقد كانت ذاكرة الفيضانات عندهم ونزول المياه الى الوادي تجعلهم يفضلون بناء البيوت على اماكن مرتفعة، وقد كانوا في السابق يبنونها بالحصى والبيت لا يتجاوز الغرفتين أما البيوت الصيفية فهي من السعف، والاعمدة من جذوع النخل والحبال من الصوف ومن ليف النخل”.
ويكمل عبدالله علي احمد الدبدوب: “ان العلاقة بالجبل عند الجيل الجديد من الشباب لم تعد كما كانت عند الكبار، فقد أصبحنا نذهب الى الجبل للنزهة وللاستمتاع بالطبيعة وصارت اعمالنا بعيدة عن الجبل”.
لكن بعض الشباب مازال مهتما بالحياة الجبلية فقد اهتم مالك بن علي الحبسي بالاشجار الجبلية وتعريفها وقد عرفنا ببعضها اثناء الرحلة مثل السمر وهي شجرة جبلية تمثل غذاء للنحل وعلفا للمواشي وتستخدم بكثرة حطبا في الطهو والخبز، والشوع شجر يشبه السمر لكنه غير شوكي ويستخدم في مناطق العين وعمان في شي اللحم بطريقة خاصة يدفن فيها تحت الأرض، وتوجد نباتات عطرية مثل الغتي واليعدة تستخدم في الاستطبابات المختلفة”.
ومازال أنباء الحبوس يتناقلون تراثهم ويحتفظون به في متحف خاص اقامته جمعية الحبوس للفنون والتراث الشعبي في رأس الخيمة حيث يرى سلطان بن عبدالله سلطان علوان رئيس مجلس ادارة الجميعة ان مهمة الجمعية المحافظة على تراث الحبوس القديم وتنمية مواهب ابناء القبيلة وتنشيط حركة الفنون الشعبية وقد جمعت الجمعية ابناء القبيلة وأصبحت ملتقى لهم، خاصة ان موقعها في سيح البريرات قربها من مساكن ابناء القبيلة الذين كانوا يرددون ان الزيارة لمناطقهم ستكون اجمل في موسم الامطار ولكن المصادفة الجميلة كانت بنزول المطر في اليوم الثاني للزيارة فقد حدثنا رئيس الجمعية ان الامطار هطلت من الساعة التاسعة صباحا وحتى الثانية وقد امتلأت الوديان بالماء الذي يغذي المياه الجوفية ويسهم في تنظيف البيئة من التلوث والاتربة وكذلك ري الاشجار وخاصة التي تعتمد على مياه الامطار، وعلى مستوى الجبال تتجمع المياه في احواض صخرية تسمى الكيف تشرب منها الحيوانات وكذلك تتجمع المياه في البرك للشرب والاستخدام المنزلي لأهل الجبل.
والطبيعة الساحرة لمناطق الجبال تبقى قابلة للاكتشاف بتغير الفصول ودرجات الحرارة والامطار، وبالتأكيد تبقى هناك اماكن بكر لم تصلها عين الكاميرا ولم تسعفنا القوة للوصول إليها سيرا على الاقدام لساعات طويلة.
|